لبنان امنع من ان يذوَّب واسطع من ان يغيَّب أخي سيادة الرئيس، هنيئًا لشعبينا الشقيقين خيارهما وانجازهما. أمس اعلنا في لبنان بدء مسيرة السلام، واليوم نعلن في سوريا تنظيم طريق الاخوة والتعاون والتنسيق. سيادة الرئيس، لقد آثرت التعاون والانفتاح نهجًا، والحوار والمصالحة سبيلاً ، في مسيرتي السياسية. وهذا النهح، وهذا السبيل، هما قدر لبنان. في الاساس، إن بلدًا يقوم على اللقاء والوفاق بين ابنائه، يختزن من الاصالة والمناعة ما يدفعه حرًا الى التعاون والتنسيق مع العالم كله، ومن باب اولى مع أشقائه. فوق ذلك، كما اثبتت السنوات الستة عشر الاخيرة , أن اي حل غير المصالحة الوطنية في لبنان هو الاسوأ. أثبت تاريخ طويل من الواقع السياسي إن تنظيم العلاقات بين لبنان وسوريا، بجرأة وصراحة، على قاعدة ضمان المصالح المشتركة والاحترام المتبادل لسيادة كل من البلدين الشقيقين كاملة غير منقوصة , هو أفضل من البقاء على ما كانت عليه الحال.فالرجال هم الذين يصنعون التاريخ ويقودون شعوبهم باتجاه الإخاء والرخاء. وكما واجهت بحزم وصلابة عواصف التشرذم ومخاطر التفتت، وكما رفضت بعزم وثبات المساومة على وحدة لبنان واستقلاله الناجز، أقدم اليوم على تنظيم مسيرة الاخوة والتعاون والتنسيق بين دولتينا على أساس من الحرية. والحرية في المفهوم العصري لا تعني ان تكون حرًا من اي شيء، بل ان تكون حرًا من اجل شيء مشترك ونبيل. لا نبحث في لبنان اليوم عن عظمة ثمنها الفلتان والجوع والتسيب، بل نبحث عن تعاون في سبيل صون الكرامة، وإرساء السلام، وتوفير العيش الرغيد لأبنائنا. سيادة الرئيس، لئن اعتبر بعضهم السياسة تقوم على المناورة والالتواء، فإننا نثبت بأن السياسة فعل وفاء وصدق مع أنفسنا ومع شعوبنا ومع المستقبل. إن القرن الحادي والعشرين يحمل رهان التجمع والتضامن من اجل الاستمرار والاستقرار، فلماذا لا نوجه طاقاتنا كلها من أجل التعاون وبلورة الأخوة في إنجازات جديرة بإنسان العصر الطالع، ورسم الطريق العملي للتحول والبناء. إن المبادرة الفردية هي المنطلق، والتعاون الجماعي هو الذي يجسد الحلم في فعل ينمي التآخي والحرية. إن العرب والعالم إذ يقدرون موقف سوريا من إجتياح العراق للكويت فرفضت ابتلاع دولة لدولة، أحرى بلبنان الذي مدّ يده لسوريا كي تساعده على تجاوز التقاتل والتشرذم اللذين تفاقما على إنسانه وأرضه، أن يعي روح المسؤولية التي صدر منها الموقف السوري الكبير. وتجسيدًا لهذه الروح وقّعنا اليوم معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق التي استمدت نصوصها من وثيقة الوفاق الوطني، والتي كفلت الإقرار بلبنان دولة ذات سيادة كاملة غير منقوصة، والعرفان بتضحيات سوريا على طريق دعم وحدة لبنان وإرساء السلام فيه. إلى متى نعاني عقدة الخوف فننصرف عن عودة الخروج الى العالم بدءًا من الاشقاء. إن اللبنانيين الذين ملأوا الكوكب إعمارًا وإبداعًا، والذين تبوأوا أعلى المراكز العلمية والثقافية، والسياسية والاقتصادية، حيثما حلوا، يملكون من العراقة ما يجعلهم، في طبعهم وفي طبيعتهم، أهل انفتاح. إنهم الرواد أبدًا في صنع التاريخ الذي يبلور حضورهم الرامي الى الترقي والتخطي. فلن ننتظر حتى نرى انطلاقة أوروبا 1992، ولن نسأل أنفسنا أين نحن من تضامن أميركا اللاتينية ومعاهداتها مع الولايات المتحدة الاميريكية؟ أو أين نحن من مجلس التعاون بين دول الخليج...؟ الى المشككين أقول: اطمئنوا، لأن لبنان أكبر من شكوككم. إنه بإرادة الجميع وطن نهائي لجميع اللبنانيين. إنه امنع من ان يذَوَّب وأسطع من ان يغيَّب. يا سيادة الرئيس، لقد تجسد التعاون بننا قبل هذه النصوص، وكان من مآثره مساعدتنا على إيقاف النزف والقصف، وعلى إحياء الشرعية، وعلى قيام الدولة، وعودة المؤسسات الدستورية لممارسة مهماتها ومسؤولياتها، وعلى انفتاح المناطق بعضٍا على بعض، وعلى تعزيز الثقة بالمستقبل، فتوقفت مظاهر الهجرة والتهجير، لا بل انطلقت مسيرة عودة اللبنانيين الى وطنهم، وذلك تمهيداً للإنطلاق في ورشة البناء والاعمار. ولا بد لهذا التعاون من أن ينمو، معكم، ومع الاشقاء والاصدقاء من أجل إستكمال مهمتنا الوطنية في الداخل، ومن أجل تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على اراضي لبنان كافة فنعيد للجنوب الغالي طهره الوطني بالعمل على تطبيق قرارات الأمم المتحدة. وبهذا نكون قد أنجزنا تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني التي أجمع عليها اللبنانيون، والتي حظيت بكل المؤازرة العربية والدعم الدولي. أخي سيادة الرئيس، كما، في العبور من الحرب الى السلم، امتزج الدم اللبناني والدم السوري، من باب أولى، أن نبني جميعًا، الاعمار والتقدم في مسيرة السلام. إن الواقع الاقتصادي في لبنان وسوريا يحتم علينا، إخلاصًا لشعبينا، التعاون بين دولتينا، من أجل النهوض الى مستوى معيشي جدير بمواطنينا، مع إطلالة عصر يدفع دفعًا الى اعتماد اقتصاد التجمعات الكبرى ضمانًا للتنمية والتطوير.إننا نتمسك بالاقتصاد الحرّ، ونعمل على تطويره نحو الافضل. إن التعاون بين اثنين يعني إقرارًا بإثنين، كل واحد منهما هو عون للآخر. ولبنان الذي يخرج اليوم من بين الركام والانقاض يتطلع الى التنسيق مع سوريا الشقيقة من أجل الحفاظ على امن الدولتين، وتعزيز السلام الداخلي للشعبين الشقيقين، ودرء أي عدوان خارجي طارئ. إن لبنان يتطلع الى المستقبل. إننا بصدد تأسيس تقاليد جديدة تبلور عمليًا معاني الاخوة والتعاون في مواجهة التحديات الكبرى. هذا هو الرهان. وكما نجحنا معًا في وقف الحرب , إني واثق من اننا سننجح في ان نرسي للاجيال الطالعة أسس الانفتاح، فنطوي معًا صفحة ما كانت لتكون، وما كان يجب ان تكون، لو تصدّى لها بشجاعة المسؤولون في دولتينا منذ1920. آن ان ننتهي من وضع قواعد صلبة وسليمة تكفل الامان في الداخل، لنهب الى ممارسة دورنا الرائد داخل الاسرة العربية وفي العالم فنسهم في تعزيز السلام العالمي القائم على الحق والعدل. إننا مقبلون الى عصر جديد. جديد بتحولاته. جديد بحساباته. جديد بتطلعاته. فإما ان نواكبه، وإما ان نتخلف عن ركبه. وما كان لبنان مرة إلا رائدًا في وعي روح العصر . أجمل ما عندي ان ارى دولتينا، في هذه اللحظة التاريخية، وفيتين لوجدان شعبينا الشقيقين اللذين بقيا في كل المراحل والاحوال، متعانقين متكافئين، فنرفع معًا علمي لبنان وسوريا عاليين يرفرفان بالإخاء والوئام.