أهم الخطابات

مقدمة > 19/6/1992 مؤتمر المهجرين

عودة المهجرين تعني عودة لبنان الى طبيعته
أيها المؤتمرون،
لا تجتمعون اليوم لتبكوا ماضيًا مثقلاً، أو لتؤكدوا حقًا مقدسًا، إنكم هنا لتنظموا بدء عودتكم.
أيها الاحباء،
كالوطن أنتم، كلاكما ضحية الحروب التي تفاقمت على أرضنا. لقد ضربت الحروب الدولة، فشتّتت إدارتها، واغتصبت امكاناتها، وكادت تجعل منها عبئاً وقت هي لتحمل الاعباء.
ضربت المجتمع فأغرته بالانحلال والتفكك وكادت تجعله فريسة الانانية والانطواء بينما هو لا يحيا إلا بالانفتاح والتلاقي. ضربت المواطن فأفقدت له عزيزًا، أو أقصت عنه ملكًا او حلمًا وكادت تجلده باليأس والانتحار وقت كان ولا يزال فارس الامل والاعمار.
هنا انتفضت ارادة اللبنانيين الجامعة لوقف المآسي ورفع الركام، انتفضت لارساء السلام وإعلاء علم لبنان دون سائر الاعلام . وانطلقنا وحافزنا ان أصالة شعبنا في وحدته ووفاقه وعراقة اهلنا في تقاليد الصفح والتسامي وصلابة الاندفاع الى صنع الحياة الأفضل , تبقى كلها أكبر من كل هذه المصاعب والمصائب.
وإذا كنتم انتم طليعة المعانين داخل الوطن فكونوا القدوة في وعي الواقع وحساباته وفي رسم الطريق الاسلم لتحقيق الاهداف الوطنية الكبرى في زمن الحروب.
الانفعالات كلّفتنا. وفي زمن السلم، العقل ينصرنا , وليس اسرع من الكارثة حين تقع، ولكن رفع آثارها واستعادة النهوض يتطلبان جهداً وايماناً لا نجدهما الا عند الشرفاء المتشبثين بوطنهم والواثقين بعدالة الحياة.
بالمزايدات والمناورات لا نمحو المحن، بالمكايدات والمداورات لا ينهض الوطن. كفى جدلاً حول قضية المهجّرين. عودة المهجّرين يجب ان لا تكون القضية. لا يجوز النقاش في ما هو من المسلّمات، في ما هو حق، في ما هو يجب ان يكون.
قضية المهجّرين الحقيقية هي قضية هجرة الاخلاق. قضية هجرة الكفاءات. قضية هجرة الإرادة الصافية. قضية هجرة مصلحة الوطن امام زحف الاهواء الطائفية والعشائرية والحزبية الضيّقة.
أقول كفى لأن التاريخ لن يرحم.إن الرجال الكبار هم الذين يبنون الوطن الكبير.
نعرف ان ثمة أعباء اقتصادية، وحاجات سكنية، ومضاعفات اجتماعية، وحساسيات انفعالية تفرض نفسها على طريق عودة المهجرين. ولكن الاستسلام الى ذلك لا يحل المشكلة. كما ان معالجتها خطوة خطوة لا يعني تأجيل عودتهم . عنكم أذكّر الجميع بما ورد بالحرف في وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها المجلس النيابي وجرى القسم على تنفيذها:
"حل مشكلة المهجرين اللبنانيين جذريًا، وإقرار حق كل مهجر لبناني منذ العام 1975 بالعودة الى المكان الذي هُجِّر منه، ووضع التشريعات التي تكفل هذا الحق وتأمين الوسائل الكفيلة لأعادة التعمير"
إن عودة المهجرين امر واقع لأنها تعني عودة لبنان الى طبيعته. لنعمل متضامنين  متّحدين. كلنا ابناء هذا الوطن. جُبلنا من ترابه وبنا جميعًا يتجلّى كل تراثه. فلنكن قدوة للشعوب الاخرى. إذا كانت التأثيرات الخارجية قد أدّت الى التهجير، فيجب ان نثبت بمناعتنا الداخلية وبصحوتنا الوطنية اننا جديرون بهذا البلد، وما كنا مرة الا جديرين بلبنان.
لا يبحث المهجرون عن بطل يمشون وراءه للعودة الى قراهم، بل المهجرون انفسهم هم الابطال، الابطال فى صبرهم وفي كونهم الضحية الحيّة، الأبطال بإيمانهم بوطنهم، الأبطال في حقهم المقدس بأرضهم وممتلكاتهم، الابطال في محو آخر صفحة سوداء ودخيلة على تراث لبنان , تراث العيش الواحد.
إن عودة المهجرين هي إقرار حاسم ونهائي بأن اللبنانيين خرجوا من لعبة الاهواء المذهبية والرهانات الخاطئة الى ممارسة المصلحة الوطنية وبناء المستقبل المطمئن.
وبإسم لبنان اقول لكم، لستم وحدكم المهجَّرين، بل ان اهلنا في الجنوب والبقاع الغربي، هؤلاء المهجرين داخل بيوتهم وقراهم، هؤلاء الذين يتحملون كل يوم عقاب الموت بلا ذنب، حقّهم علينا جميعًا ان نرفع الضيم عنهم، وهو ما لا ندخر جهدًا في سبيله لأنه حق كل لبنان في تثبيت سيادته على ارضه كافة.
كما ان المهاجرين قسرًا الذين شردتهم اهوال الحرب الى ديار العالم بحثًا عن الرزق والامان، لهم علينا ترسيخ مسيرة السلام، ودفع الثقة بالوطن والغد حتى يعودوا مسهمين في ورشة الاعمار. فهم ابناؤنا الذين يحملون ضمير لبنان اينما حلوا وحيثما اقاموا.
وباسم لبنان اقول لكم: كما الحق لا يكون الا بصاحبه وبآخر يقرّ له به، كذلك عودتكم، فبقدر ما تشتاقون الى قراكم، ابناء مناطقكم هناك ينتظرونكم بالشوق نفسه. تحن الساحات الى تشابك ايديكم جميعًا فتحلو اعراس الدبكة ومواويل الهناء.
وباسم لبنان اقول لكل اللبنانيين: لن اتناول معكم الاسباب السياسية التي أدت الى التهجير والتي تؤلمنا معاودة ذكرها، لقد جعلتنا هذه الحروب قضية ذاتنا، لقد دمرت ما بنى الآباء والاجداد، وسفكت عرقهم والجنى، وضيّقت آمالهم والمنى.
في زمن الحروب كنا جميعًا مهجّرين عن لبنان، اما السلام فيعني قبل كل شيء أننا جميعًا نعود الى لبنان وحين يعود المهجّرون يعود لبنان.
من هنا آن لنا أن نلتف حول دولة قوية عادلة قادرة علة ان ترفع عن أكتاف المواطنين أسطورة إعادة بناء ما تهدّم وسنهدم كل مَنْ يهدم بناء لبنان بعد اليوم . فهبّوا وحولوا الصراع حول الوطن الى تنافس من اجل الوطن، إذ حين تنطفئ شعلة التنافس يتحول الكل الى رماد.
ومَن يبني المجتمع والارض والوطن غير اللبنانيين انفسهم، الدولة لن تستورد لكم لبنانكم بل ان الدولة تفتح لكم جميعًا فرص المبادرة الى الحضور والعطاء والإنماء. والدولة لن تدع بابًا إلا تطرقه ولا شقيقًا ولا صديقًا إلا تناشده للانطلاق في مشاريع الإعمار.
ونرى أن المرحلة القريبة مثمرة بعدما اتت الدولة على الانتهاء من ملف الرهائن هذا الملف الذي فُرض عليها قسرًا.
أيها المؤتمرون،
اترك لكم تفاصيل المناقشات بإشراف حكومتكم ومبادرتها لتنظيم برنامج عودتكم في ضوء خطة علمية ووطنية، هذه العودة التي سيحميها جيش لبنان الواحد الموّحد والمؤسسات الامنية الاخرى . والذي دعمنا في مسيرة الامن والسلام سيكون معنا في هذه الخطوة وفي مقدمتهم الشقيقة سوريا.
انني أؤكد لكم ان النوايا عند اللبنانيين جميعًا طيبة ومطمئنة. إن طريق العودة واحد هو التعاون بين الجميع، وثقتي كبيرة بكل القيادات فهم أصيلون بوطنيتهم لأنهم مجبولون على المحبة والالفة والتسامح، وهم عاملون جميعًا على ان يعود لبنان الديمقراطية والانفتاح , لبنان السلام . وما معنى السلام ان لم يمارس كل مواطن حقّه المقدس في بيته، وإن لم يجد تراث آبائه وأجداده مصونًا، وإن لم يطمئن الى هناءة ابنائه وامانهم؟
أيها اللبنانيون،
انا لم اتسلم لبنان الواحد من سلفي,  ولكنني أعمل على ان اسلم لبنان الواحد أمانة للاجيال الطالعة. أملي ان ازوركم في مناطقكم فتزهو الارض بتقاليدنا العائلية المشتركة، وما أضيق الوطن حين لا يتّسع لكل أبنائه.

© حقوق الطبع والنشر 2024 - جميع الحقوق محفوظة