|
|
دولة الرئيس حضرة النواب المحترمين بالأمس القريب اجتمع المجلس النيابي لينتخب رئيساً للجمهورية قادراً على قيادة مسيرة الوفاق و السلام , مسيرة استعادة السيادة والكرامة الوطنية. واليوم يجتمع مجدداً والحزن يلفه حداداً على شهيد الوحدة الوطنية وعلى ربان السفينة التي عادت تتقاذفها امواج المؤامرات. لقد سقط فخامة الرئيس رينيه معوض شهيد واجبه الوطني وإيمانه بمقدسات التزم بها في خطابه الرئاسي الأول امامنا. لقد سقط وهو يناضل من اجل الوفاء بعهده من انه "سيؤدي واجبه كاملاً نحو وطنه وشعبه وانه لن تثنيه صعوبات من متابعة مسيرة الخلاص". لقد سقط من " اجل ان ترتفع راية الأرز فوق كل القمم ويسلم حق المواطن وكرامة الإنسان فتعود البسمة الى كل الشفاه , والاستقرار الى لبنان". لقد خافوا من ايمان شهيدنا العظيم بلبنان ومن عزمه على تحقيق "رهان عمره في ارساء المصالحة بين اللبنانيين" وفي استعادة سيادة الوطن كاملة فغدروه و قتلوه ظناً منهم انهم يقتلون معه اهدافه واهداف كل لبناني مخلص شريف. إلا ان مجلسكم الكريم وفي وقفة وطنية رائعة هب يلبي نداء الوطن مجدداً رافضاً ان تذهب دماء شهيدنا العظيم هباء, وان تسسقط معه تطلعاته وان يغتال معه مشروع وثيقة الوفاق الوطني , لقد هب مجلسكم بشجاعته المعهودة, يواجه ايادي الغدر ويرد على القتلة الجبناء معلناً انه اذا مات رئيس البلاد فلبنان لا يموت وان ارادة اللبنانيين في الحياة لا يمكن ان تموت وان مسيرة الإنقاذ التي ابتدأت لن تتعثر ولن تنكفىء. وانطلاقاً من هذا الإيمان الراسخ التأم مجلسكم فوراً ليفوت فرصة القضاء على لبنان الواحد ولينقذ مسيرة الخلاص مقدماً بذلك الى الرئيس الراحل اكليل عرفان ووفاء وتعزية, منتخباً من يتابع الرسالة الوطنية عنه, ومن يحمل الراية التي هوت معه فيكمل الجهاد من اجل انقاذ الوطن. ايها السادة, لقد شاءت الأقدار ان تلتقي ارادتكم على شخصي لأتحمل المسؤولية الرئاسة, فإليكم امتناني للثقة الغالية التي أوليتموني إياها. وإلى الشعب اللبناني العظيم عهدي بأن التزم مبادئه , وان أحقق الأهداف التي اعلنها والتي من اجلها سقط, فترتاح روحه القلقة على لبنان وقد استعاد كامل وحدته و سيادته. ايها السادة, الظرف عصيب , ولبنان اليوم مهدد, اكثر من اي يوم مضى, بعظيم الأخطار , واللبنانيون قلقون على المصير, حائرون يتلمسون الخلاص حيناً و تخيب آمالهم احياناً... الا انه وللمرة الأولى, منذ اندلاع شرارة الأحداث في لبنان تتاح لهم فرصة سلام حقيقة متمثلة بوثيقة الوفاق الوطني , التي اجمع العالم باسره على دعمها واقرها مجلسكم الكريم... انها مشروع متكامل للإنقاذ ولوضع حد نهائي جذري للآلام والدموع ولوقف النزيف القاتل الذي يتفاقم يوماً بعد يوم , و خيار اللبنانيين اصبح واضحاً : فإما الالتزام بهذه الوثيقة والاستفادة من الضمانات والدعم العالمي لها, واما ان يجهضوها ويقضون على بارقة الأمل الوحيدة المتوافرة لهم وتبقى البلاد عرضة للمؤامرات التي تستهدف الوطن ووحدته وشعبه. فخيار اللبنانيين بين وحدة لبنان وشعبه و مؤسساته وبين تقسيمه واقتسامه وشرذمته وزواله, وقد اخترنا باسمهم الوحدة. وخيار اللبنانيين بين بناء مجتمع العدالة المتطور ديمقراطياً وبين الاستمرار في الاقتتال العبثي وتسعير الأحقاد وإذكاء روح التعصب والتفرقة, و قد اخترنا باسمهم البناء ووقف التدمير والهدم. وخيار اللبنانيين بين نظام ديموقراطي مصدر سلطاته ارادة الشعب اللبناني, وبين انظمة الديكتاتورية حيث لا قيمة فيها للإنسان وحرياته وحقوقه, وقد اخترنا باسمهم النظام الديموقراطي الحر. وخيار اللبنانيين بين دولة المؤسسات الحديثة ذات الصلاحيات الواضحة والمسؤوليات الناتجة عنها بحيث يطال القانون كل اللبنانيين مهما علا شأنهم , وبين الدولة السائبة التي تتضارب فيها الصلاحيات وتضيع في طياتها المسؤوليات... فلا من يحاسب او يعاقب مما يجعل المقدسات الوطنية والأموال العامة وحقوق المواطنين عرضة لكل طامع وفاسد , وقد اخترنا باسمهم دولة المؤسسات. وخيار اللبنانيين بين دولة تقوم على الأخلاق والكفاءة وبين دولة تقوم على المحسوبية وانعدام الأخلاق, وقد اخترنا باسمهم دولة الأخلاق. وخيار اللبنانيين بين دولة تحقق العدالة الاجتماعية الشاملة على اساس الإنماء المتوازن للمناطق وبين دولة الحرمان الإجحاف والتمييز بين المواطنين , وقد اخترنا باسمهم دولة العدالة. وخيار اللبنانيين بين دويلات الطوائف المتنافرة والضعيفة وبين الدولة الواحدة القوية التي تعزز الانتماء الوطني المحض على حساب الانتماء الطائفي من دون ان تمس حقوق اي طائفة او وجودها او حريتها. و قد اخترنا باسمهم الدولة الواحدة التي تضم العائلات الروحية المتنوعة في اطار الوحدة الوطنية الشاملة والصحيحة. وخيار اللبنانيين بين حالة الفلتان السادة , فلا حق في حمى القانون ولا حياة في امان ولا امل في مستقبل, وبين ان تبسط الدولة سلطتها تدريجياً على كامل اراضيها وبواسطة قواتها الذاتية فتحل جميع الميليشيات وتجمع السلاح وتعزز قواها الأمنية والعسكرية لتعود السلطة الضامنة الوحيدة لحقوق المواطنين , وقد اخترنا باسمهم دوام سيادة القانون. وخيار اللبنانيين بين ان يبقى قسم كبير وعزيز منهم مهجَّراً ضمن وطنه او مهجَّراً خارجه وبين ان تحل قضية المهجَّرين اللبنانيين جذرياً فيعود كل منهم الى المكان الذي هجِّر او هاجر منه ليعيش فيه بأمان وكرامة وحرية, وقد اخترنا باسمهم عودة المهاجرين والمهجَّرين. وخيار اللبنانيين ان يبقى جزء من اراضي وطنهم تحت نير الاحتلال الإسرائيلي وبين ان نحرره بتطبيق القرار425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي وبإعادة بناء جيش وطني قادر, وقد اخترنا باسمهم استعادة سيادتنا وتحرير ارضنا وتوحيد شعبنا. وخيار اللبنانيين بين ان نبقى دولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل اراضيها وبين ان نسرع في بناء قواتنا الشرعية الذاتية لنستعيد قدراتنا على بسط سلطة القانون ونستغني عن اي وجود عسكري غير لبناني , وقد اخترنا باسمهم بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل اراضيها والا تبقى مرتفعة في لبنان سوى البندقية الشرعية اللبنانية. وخيار اللبنانيين بين ان نتنكر لتراثنا في الانفتاح والتفاعل الحضاري لدورنا الطليعي في محيطنا فنعيش منعزلين متقوقعين اسرى الهواجس والأوهام, وبين ان نتفاعل مع عائلتنا العربية ملتزمين قضاياها المصيرية ومواثيقها, وقد اخترنا باسمهم تعزيز انتمائنا العربي المتوافق مع تاريخنا وتطلعاتنا الوطنية والمتلاقي مع العاطفة العربية الصادقة التي تجلت في الجهود المشكورة التي تبذلها اللجنة العربية الثلاثية العليا باسم العرب جميعاً وفي الضمانات التي قدمتها لحسن سير تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني , خصوصاً في الشق المتعلق باستعادة السيادة الوطنية واعادة اعمار لبنان. وخيار اللبنانيين بين ان نبقي صفحة سوء التفاهم بين لبنان والشقيقة سوريا مفتوحة مع ما ينتج عنها من اضرار للبلدين عرَّضت شعبنا للكثير من المآسي , وبين ان نطوي هذه الصفحة نهائياً ونفتح صفحة جديدة مشبعة بروح التعاون الصادق الكفيل بخلق اجواء الثقة المتبادلة وبناء علاقات اخوية تحقق مصلحة البلدين والشعبين في اطار سيادة وإستقلال كل منهما , و قد اخترنا باسم اللبنانيين التوجه الأخير خصوصاً وان اعلان الشقيقة سوريا موافقتها على مشروع وثيقة الوفاق الوطني مع ما احتوته من تأكيد على سيادة لبنان واستقلاله وعلى كونه وطناً نهائياً لجميع ابنائها لجميع ابنائه اسقط هواجس البعض و مخاوفهم. ابها السادة, ان الخيارات التي ذكرتها تؤكدها وثيقة الوفاق الوطني التي اقرها مجلسكم الكريم والتي التزم بها امامكم وهي ستكون برنامج عمل حكومة الوفاق الوطني التي سيتم تشكيلها في اقرب فرصة ممكنة. ان اعتماد هذه الخيارات المصيرية يدفعنا حتماً الى خوض معركة انقاذ لبنان واللبنانيين وهم في وحدتهم وتصميمهم على الخلاص اكبر ضمانة لنجاح هذه المسيرة الإنقاذية ... ومن هذا المنطلق انني امد يدي للتعاون مع كل اللبنانيين, وبصورة خاصة مع القيادات منهم من دون استثناء, ومع الجيل الطالع الذي حرمته الأحداث من نعمة الحياة الكريمة, والذي يستطيع ان يستعيد الأمل بلبنان عزيز سيد حر مستقل من خلال دعم مسيرتنا الهادفة الى اعطاء هذا الجيل حقه في المشاركة الفعالة ببناء وتطوير وطنه نحو الأفضل. ومن هنا دعوتنا الى التعقل بدل المغامرات المحفوفة بالمخاطر ودعوتنا الى الواقعية بدل الشعارات التي ستحول الأحلام الى كوابيس والآمال الى دموع. ودعوتنا الى الحياة بكرامة بدل الانتحار الجماعي والمجاني. ايها السادة, يوم توافقنا في الطائف وأجمع العالم على دعمنا وتأييدنا انطلقت مسيرة السلام في لبنان ومسيرة استعادة سيادتنا وكرامتنا الوطنية... ومهما حاول اعداء لبنان عرقلة هذه المسيرة فلن ينجحوا لأن إرادة الحياة لدى شعبنا العظيم هي اقوى من قوى الموت والشر, ولأن اللبنانيين المعذبين قد شبعوا اقتتالاً وتشريداً وتهجيراً وتضحيات لم تحقق حتى اليوم أياً من الأهداف الوطنية. وإنهم بعد معاناتهم الطويلة باتوا مقتنعين بأن خلاصهم هو في يدهم وفي وحدتهم , وأن الوفاق الذي وفرته وثيقة الوفاق الوطني هو المدخل الجدي لاستعادة العافية والمناعة الوطنية وبناء الدولة القادرة السيدة ولاستعادة المقاييس الوطنية والقيم الإنسانية. إنني ادعو جميع إخواني اللبنانيين الى الانضمام فوراً الى مسيرتنا الوطنية والى وقف لغة العنف والاقتتال فنعيد الى جيشنا اللبناني دوره الأساسي في حماية الوطن والنظام ليبقى الدرع الواقية التي ترد عن لبنان الأخطار وتؤمن للمواطن حقه المقدس في الحياة الكريمة, ونتفادى بذلك محاولات اسقاطه كمؤسسة وطنية تقوم على مبادىء الشرف والتضحية والوفاء للشرعية في سبيل لبنان الواحد الموحد. ان يدي ممدودة بكل محبة وإخلاص للجميع من اجل التعاون الصادق لإنقاذ الوطن وأملي ان تمتد الأيادي المترددة لملاقاتها خدمة للبنان , مؤكداً على ان مسيرتنا لن تتوقف مهما عظمت الصعاب ؛ وهي تستدعي تضافر جهود الجميع كما وهي قادرة على سحق كل من سيقف في وجهها لأن مصلحة لبنان وشعبه هي اكبر من كل الاعتبارات والأشخاص و المصالح. إننا في صدد بناء دولتنا القوية والعادلة وإستعادة سيادتنا غير المنقوصة, فلا مجال للمساومة أو التردد... وان قبولي تولي منصب رئاسة الجمهورية في هذه الظروف الدقيقة لهو تأكيد على اقتناعي الكلي بصوابية خياراتنا وعلى تصميم الرئاسة على بذل كل شيء من اجل لبنان... والله ولي التوفيق.
|