أهم الخطابات

مقدمة > 21/9/1994 وضع حجر الأساس ﻹعمار وسط بيروت

من اجل إنماء متوازن ومتكامل
أيها الأحباء،
من المستحيل ان تستعيد عصرًا، ولكن من الجميل ان تحيي وطنا.
كل ما ننجزه على طريق إزالة الحرب وآثارها، نقدمه عربون وفاء لآباء الاستقلال ولكل من ضحى من اجل الوطن، ونقول لهم: لا، ما ضاع تعبكم فقُرُّوا عينًا.
ونقدمه أمانة للأجيال الطالعة ونقول لهم : نعم، لبنان يكبر بكم، فذودوا عن مستقبله.  قدر كباركم ان يؤسسوا دولة الاستقلال، وقدركم ان تؤسسوا دولة السلام. فالمواطنية تنتصر حين تجمعنا رابطة ولا تعود العصبية المذهبية أو الجغرافية تفرقنا.
حجر الأساس الذي نضعه اليوم،
نريده الحجر الذي يدفن نزوات الحرب والخراب ويرفع نهج الإنتاج والإبداع.
نريده حجر الاساس لعصر جديد، ولحضور متجدد.
دم الشهداء يصرخ: أَخرِجوا بيروت من الانقاض والاشلاء الى بيروت المجد والعطاء.
دم الشهداء يصرخ: ان ارادة اللبنانيين أقوى من عبء الواقع  ولذلك انتصر لبنان دائمًا.
من ابدع في وطننا وفي هذا الشرق ولم يأخذ من بيروت، او لم يتّخذها منارًا؟
من حمل لواء الانفتاح الانساني والتلاقي الحضاري قبل بيروت او دون بيروت؟
يا منبر الحرية، وملتقى اللبنانيين، فيك تتعانق بيوت الله وتختصر الدنيا، يا مكتبة كل عصر، وجامعة العلوم والمعارف، ومستشفى الشرق، ودار التألق الشعري والادبي والفني، فيك المصرف والمنتدى، وأسواقك معرض دائم للعتيق العتيق والأحدث الأحدث.
بيروت يا صنوبرة البحر، ونخلة الشرق، يا درة المدن وأم الشرائع ومرضعة القوانين، يا بنت التاريخ وعروس الآتي.
المحنة شلعت المدينة والمرفأ، لكن السلام يعمرك عاصمة للبنان كل لبنان، ومهد تنور وتنوير في هذا العالم.
أيها اللبنانيون،
هذا هو موعد النهوض. ومن ليس عنده إلا البكاء على ما تهدم هو تمامًا كمن هدم.
والله لو اجتمع كل المتضررين وكل الموهومين لما ساووا يقين مخلص واحد يذرف العرق جهدًا وجنى.
المطلوب النضال من اجل لبنان، نضال الصوت الإلهي الذي يرن في ضمير كل واحد منكم حين ينادي: ماذا فعلت بأخيك؟
قوموا لنبني عاصمة :
تجمع بين عز الماضي وحلم المستقبل.
تجمع بين التزام الواجب ورحاب البحث عن الأفضل.
تجمع بين الجمال والحيوية الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
تجمع بين المواطن والمجتمع فتمحو الغربة وتتألق الديمقراطية.
سبيلاً لحوار المجتهدين وليس ساحة لصراع المتنازعين.
قوموا الى لبنان. فنحن على سباق مع عقارب الساعة، قوموا الى العمل.
كونوا انتم. كونوا جميعًا ومعًا.
قد يستطيع مسؤول ان يقدم حينًا أكثر من غيره، وقد يقدم بعضكم على البذل أكثر من الآخرين. ولكن انقاذ لبنان يحتاج الى طاقات كل أبنائه.
فالعمران لا يقف عند تشييد المداميك والبنى التحتية، وتوسيع فرص العمل وامكانات الانتاج فحسب.
بل يتضمن العمران ايضًا بناء الإنسان والقيم والآمال الكبرى.
ويتضمن العمران بناء المجتمع على قواعد الثقة : فالمبادئ قبل المصالح، والتعاضد قبل التنافس، والاستقرار الاجتماعي قبل توازن القوى.
كما يتضمن العمران أيضًا بناء مكانتنا في العصر الطالع ومع التحولات المتلاحقة حولنا.
هكذا تبنى حضارة السلام، لنحمل جميعًا راية الحق، فالحقيقة هي التي تحررنا وهي التي تجمعنا، والحقيقة اننا شعب ينتقم بالتعمير من التدمير.
صحيح ان الوحدة الوطنية قبل الاعمار، وصحيح أيضًا انه بالاعمار المتوازن تتنامى الوحدة الوطنية وتترسخ.
وفي كل الاحوال لا يجوز للانتقاد الصائب أو الواهم أن يؤثر على معنى تماسكنا من اجل نهوض وطننا. الهدم قاتل والإعمار مكلف، الخراب ينزف الحقوق والإعمار يصونها، والدولة ترعى حقوق الجميع لصالح الجميع.
الى من يعارضون خطة إعمار وسط بيروت نقول : حَسِّنوها.
والى مَنْ يؤيدون خطة إعمار وسط بيروت نقول : حَصِّنوها.
والى كل المواطنين، الى هؤلاء المؤمنين بوطنهم، وبقوا فيه على رغم الحرب، وينتظرون الكثير من مسيرة السلام والإعمار، إليهم نقول اليوم :
الماضي هو جذرنا ولن نجعله قبرنا.
ما قيمة الذاكرة إذا لا تفتح المستقبل؟ ومن له أرضه له ذاكرته وله غده.
أيها الأحباء،
النهج الواقعي هو الذي يبني الوطن المثالي. ينهض بلدنا بعقلية مَنْ يرى الحاجات ولا يبكيها بل يلبيها.
وخير البناء هو الذي يزيل التعارض بين البناء الاقتصادي والبناءالاجتماعي والسياسي والوطني.
بناء الاقتصاد وحده لا يحل المشاكل كلها، ولكنه هو الاساس لكل بناء آخر.
بلد العيش المشترك لا يبنى إلا بالتوازن بين كل قطاعاته  ومناطقه. والتعاضد الوطني يعززه التكامل الإنمائي.
فمستقبل سلامنا الوطني يترسخ حين نتعاون جميعًا على انجاز عودة المهجَّرين اللبنانيين الى قراهم، ونوقف الهجرة ليحظى الوطن بكفاءاته. ومستقبل سلامنا الوطني يتعافى حين لا نستسلم الى سنوات الجنون، بل ننطلق الى البناء، وبناء لبنان كان دائمًا لخير نفسه ولخير محيطه.
أيها الأحباء،
إذا انتقدنا اتفاقات الصلح المنفردة فلأننا نرى ان سلام المساومة هو مساومة على السلام.
وإذا باتت إسرائيل اليوم أكثر اقتناعًا بتطبيق القرارات الدولية وهو النهج الذي دخل على أساسه لبنان وسوريا معًا عملية المفاوضات فإننا معًا نمشي الى السلام العادل والشامل، سلام الحق والأرض والكرامة.
اليوم تنطلق  بيروت لتجدد نفسها من أجل كل لبنان والمستقبل، وغدًا ينطلق الجنوب والبقاع الغربي ليعود الى كنف الوطن والإباء، ومعهما موعد كل لبنان مع الإنماء المتوازن والسيادة الكاملة.
أيها اللبنانيون،
عمِّروا . عَمِّروا وطنكم . وثِقوا ان لبنان هو ضمانة اللبنانيين، كما على أكتاف اللبنانيين ينتصر مستقبل لبنان.

© حقوق الطبع والنشر 2024 - جميع الحقوق محفوظة