|
لن يثبت ما أنجزنا إذا لم نستكمل بناء الدولة أيها اللبنانيون، في مجلس النواب ، على رغم تطويقه إثر حملة الاعتقالات التي جرت في الحادي عشر من تشرين الثاني، تمكن رئيسه صبير حماده ، والنواب صائب سلام، هنري فرعون، محمد الفضل، مارون كنعان، رشيد بيضون،سعدي المنلا من الالتقاء. رسم النائبان هنري فرعون وسعدي المنلا الوان العلم اللبناني الجديد احمر- ابيض – احمر والأرزة في وسط الأبيض. فوافق عليه جميع النواب وأقسموا ان تشكل هذه الالوان علم لبنان الغد، لبنان السيد المستقل. إننا نقف بإجلال امام الرعيل المؤسس الذي جسد ضمير الحرية والكرامة. ونحيي جهود الذين أعطوا من اجل وطن حمل نموذج العيش المشترك رهاناً. وننحني امام أرواح الشهداء الذين ضحوا في سبيل الديمقراطية والدفاع عن الكيان. فذكراهم جميعًا تجدد الثقة بأن وطننا حقيقة ثابتة. أيها العسكريون، قوتكم من ثقة الشعب بكم ، ووحدتكم مرآة لوحدته الاصلية. سلاحكم هو سلاح الدولة لاستعادة السيادة الوطنية في الجنوب والبقاع الغربي ولاحترام القانون والحريات على أرض لبنان كلها. لقد أثبتم كفاءتكم في أداء المهمات التي عهدت الدولة بها اليكم، فعززتم ثقة المواطن بالدولة وبمسيرتها للانقاذ والإعمار. مؤسستكم مسؤولة مع سائر قوانا الأمنية وأجهزتها عن حماية منجزات دولة السلام، فبانضباتيتكم تيّسرون استكمال تحقيق الاهداف والآمال. لقد شرعنا بتطبيق خدمة العلم ليتشرب الشباب مناقبيتكم، ويلتزم الجميع الشرف والتضحية والوفاء من اجل لبنان. فاحرصوا على ان تظلوا القدوة. أيها اللبنانيون، بمقدار ما الاستقلال إرث نباهي به، هو انجاز نجدده كل يوم. في خمسين عامًا انتصرنا في الكثير. وقصرنا في الكثير. كنا نبني وسط وضع إقليمي ودولي عاصف، شهد تحولات غيّبت دولا، واسقطت تحالفات، وقلبت موازين. ولكن بلدنا صمد على رغم ذلك. إن تحرُّرنا من قيود المحنة المفروضة والمغرضة يساوي تحررنا الاول في 22 تشرين الثاني 1943. منذ خمسين عامًا أخذنا استقلالنا عن الاجنبي واليوم علينا ان نعطي المواطن استقلاله من الخوف والغبن، من الطائفية والمحسوبية من الفساد والتراجع. لا يجوز ان تبقى المطالب نفسها، والشكاوى نفسها،طوال نصف قرن. دولة الاستقلال حاولت ان تبني نفسها وانعكاسات الصراع العربي الإسرائيلي تثقل عليها. ودولة السلام تنهض، ولا يجوز ان نترك تجاذبات الصلح في المنطقة تحد من منعة اندفاعتها. أيها اللبنانيون، لن يثبت ما انجزنا ان لم نستكمل بناء الدولة. من بعض سمات السياسة اللبنانية انها عرفت كيف تتعلق بالارض. وعلينا أيضًا ان نعرف كيف نتألّق في الدولة وبها ولها، بعض منا أهلكتهم أزمة الثقة: فمنهم من خاف على نفسه، ومنهم من رأى نفسه محل الوطن، ومنهم من اعتبر ان في قوة الدولة ضعفًا له، وان في ضعفها قوته. الواقع الشعبي في معظمه لا طائفي، والتحرك السياسي مشوب بالاعتبار الطائفي، والدولة جاهدة في ان يعبر الجميع الى الواقع الوطني، وحتى يأتي هذا العبور ايجابيًا فهو لا يمكن ان يفرض بالقوة، كمل لا يمكن ان يرفض بالقوة. لقد فرضت المحنة علينا معركة الآخرين. والسلام يدعونا الى ان نخوض معركتنا نحن: معركة العمران والحضور. عملنا في السنوات الاربع الماضية على ان نرمم الجسر الواصل بين الوطن والحياة. ونبدأ الآن ببناء الحياة في الوطن وله. نعرف ما علينا ان نفعل، وما علينا أن نفعله ليس بعيدًا عما أنجزناه،إنه استكمال تطبيق وثيقة الوفاق الوطني. المهم هو تعميق المشاركة الشعبية في بناء الدولة والمجتمع. فالوفاق ليس هدنة بين الفئات، بل هو ارادة الحياة المشتركة في وطن واحد، ومن اجل وطن واحد.لقد واجهتنا هذا العام تحديات حرجة، ولكن القرارات التي اتخذناها عكست صفاء وحدتنا الوطنية. ألا يجوز بنا ان نشيد بقرار الدولة برفض استيعاب المقتلعين الفلسطينيين؟ وبقرار الدولة بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في تموز الماضي؟ وبقرار الدولة بخوض معركة السلام لتحرير أرضنا من الاحتلال الإسرائيلي؟ لقد أثبت لبنان انه لم يعد ساحة لصراعات الآخرين، ولن يكون ممرًا لسلام الآخرين على حسابه وحساب الكرامة العربية. تجاوبنا مع مساعي السلام لأن السلام في تراثنا، وهو شرط ضروري لاستكمال بناء الدولة. فلا سلامة للكيان إذا بقيت اجزاء غالية من الجنوب والبقاع الغربي تحت الاحتلال الاسرائيلي. ولا سلام للمنطقة كلها بلا سلام لبنان. لن نكون حجر عثرة في وجه السلام، ولكن لن نتنازل عن حقنا بأرضنا وسيادتنا، والوصول الى السلام هو جزء من السلام. فتطبيق القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 425 هو الضمان لتحقيق السلام العادل والشامل. لبنان جزء من هذه المنطقة ولا بد من ان يكون مؤثرا في صنع مستقبلها.ان التهرب من اخذ المواقف الجريئة والتردد في نهج المصلحة العليا للبلد، قد كلفانا الكثير. لكننا بدأنا نواجه الحقائق بكل شجاعة. فلبنان وطن نهائي لجميع ابنائه. وهو رائد في عروبته بمقدار ما هو سيد قراره. أيها اللبنانيون، إن العمل الكثير اما الحاجات الأكثر لا يبين، والعمل الأكثر لتلبية الحاجات كلها يحتاج الى امكانات تفوق ما تبقى لدينا جرّاء الحروب وآثارها. يلمس المواطنون تحسن الكهرباء في معظم المناطق والشروع في ترميم مباني الادارات العامة والجامعة اللبنانية، ومعالجة شبكات الهاتف، وتأهيل الضاحية الجنوبية. العمل انطلق. وتتجلى النتائج في تراجع التضخم مع الاشهر الاثني عشر الأخيرة الى درجاته الدنيا. كما تتجلى من خلال ما تلاحظونه من كثافة ورش البناء، والوفر الذي حققه ميزان المدفوعات بحدود الخمسماية مليون دولارا أميركيًا، وتزايد الودائع في المصارف فقاربت المليار والخمسماية مليون دولارا اميركيا إضافة الى استيعاب العجز في الميزان التجاري، وارتفاع معدل النمو الى 8% ذلك كله تحقق اضافة الى منجزات أخرى على رغم ما واجهناه من صدمات كالعدوان الإسرائيلي في تموز الماضي، وانعكاسات الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي، وتأخر الدعم العربي والدولي لمسيرة الاعمار. إننا نعمل بإمكاناتنا الذاتية. نعرف ان المطلوب هو أكثر من سد ثغرة، أو تعويض نقص أو استنهاض عجز. إننا امام امتحان يكشف قدرتنا على ان نحل مشكلات بلدنا. المطلوب هو ان نؤهل البلد ليعزز دوره في مرحلة تسجل اشتداد عوامل التنافس وانتزاع الادوار. لا بد من اقرار رؤية اقتصادية اجتماعية تحصّن ارادة النهوض في الداخل ووزن لبنان في المنطقة. لا بد من تضافر جهودنا جميعًا لاستكمال عودة المهجرين الى أرضهم وبيوتهم. إننا نهيب بالقادرين ان يبادروا الى الاسهام في دفع هذا الانجاز الوطني قدمًا بالمشاركة ولو بالقليل في تعمير جزء من حي أو قرية او منطقة. هذه هي روح العونة العريقة في تراثنا ونفوسنا. فالوطن لنا جميعًا، وبنا جميعًا ينهض. لا بد من تكامل الإعلام والتربية والإنماء لاقتصادي الاجتماعي، بالموازاة مع فتح فرص الإنتاج، وتيسير الرعاية الصحية والتقديمات الاجتماعية، لمواجهة الهوة بين الاجيال وتراجع الفضائل، ولاقتلاع نزعات العنف والتطرف والاسترخاء. إن تفاقم الفوارق الاجتماعية يضعف الوحدة الوطنية. فقاعدة العيش المشترك لا تسلم ان لم تقم على قاعدة اجتماعية متوازنة وسليمة للمواطنين والمناطق. فالعيش المشترك ليس فكرة بل هو نمط حياة. اننا نعد لكي يشهد العام 1994 انطلاقة الاعمار الفعلي للمرة الأولى منذ 1975. وما يقوّي هذا الاعداد، العمل على تعزيز عودة الكفاءات، وتعجيل التأهيل التقني والاداري لتشجيع الاستثمارات والتوظيفات، وتأكيد الاقتصاد الحر، واستحداث التشريعات والتنظيمات الكفيلة بدعم دورنا الاقتصادي. وفوق ذلك يأتي سعينا الى تطوير الروابط مع المغتربين اللبنانيين، هؤلاء الذين تفوقوا في ديار العالم هم ركن من أركان الطاقة اللبنانية. ويمكن ان يسهموا في إعمار لبنان بمقدار رعايتنا لإبقاء جذوة ايمانهم بلبنان متقدة. إننا في قلب مرحلة تحول مصيري، والتخلف يضعنا في الخلف، والتقدم يرفعنا الى المقدمة. أيها اللبنانيون، إن التضحيات والمشقات التي تكبدها الشعب لم تذهب هباء. لقد نجحنا في ان نشق لبلدنا بداية جديدة وناجحة. ولأننا نجحنا، لا بد من نقر بالفضل لمن ساعدنا وآزرنا من الأشقاء والأصدقاء. وفي المقدمة الشقيقة سوريا بقيادة أخي الرئيس حافظ الأسد الذي ساندنا في إرساء مسيرة الإنقاذ، والذي يساندنا اليوم في مسيرة التحرير والسلام. أيها اللبنانيون، ليست البطولة اليوم ان ينتصر أحدنا على ألآخر، بل البطولة ان نتوحد جميعًا لاستكمال انتصار لبنان.
|