|
|
الحرب في لبنان انتهت ولكن الحرب من أجل لبنان لم تنته بعد أيها الأحباء، هدموا وتبنون، ودائمًا الى غد أفضل تتطلعون . منذ عام نالوا من الحجر وما تراجعتم , واليوم تعيدون الحجر الى مدماكه كأن قدركم من قدر لبنان: ذقتم مرارة العقاب بلا ذنب يوم كانت بوابتكم تشرّع فجر العلم والمعرفة والترقي، وانتفضتم لمتابعة الرسالة وقد كنتم أبدًا اكبر من التحدي. هكذا غدا هذا الصرح جزءاً مضيئاً من لبنان فكل حجر فيه أساس لحجر آخر كرسالة لبنان التي كل نور فيها هو ظل لنور جديد. من هنا ليس صدفة أن تعيدوا تشييد صرحكم مع انطلاقة اعادة الإعمار عندنا. فأنتم تعملون أبداً مع لبنان وللبنان. وأنتم للبنان بمقدار وفائكم لروح الانفتاح اللبناني ولرسالة الدور اللبناني في هذه المنطقة من العالم. ولبنان يرتقب من جامعتكم اليوم أن تكونوا له بمقدار الامل الذي نشدتموه حين اخترتم مقرها فيه. أيها الأحباء، إن مسؤوليتكم اليوم لا تقل أهمية عما بدأتموه منذ أكثر من قرن وربع، عند التأسيس، حيث اسهمتم في دفع النهضة العربية قدماً على كل صعيد. ولأن الإعمار يبدأ ببناء الإنسان فإن مهمة العلم والتربية والبحث والتعليم تشكل الزخم الحيوي لمسيرة الانماء والسلام. المطلوب انتفاضة ثقافية كبرى تحرر اللبناني من رواسب الحروب التي تفاقمت على أرضه، وتجسد انطلاقته الى رحاب القرن الحادي والعشرين حتى يتبلور الدور اللبناني الحق في هذه المنطقة وفي العالم في حمل رهان اللقاء والتكامل. إن الوطن الكبير هو الوطن الذي يعرف ابناؤه كيف ينجزون عملية التسلم والتسليم من الواقع الى الحقيقة بأقل الخسائر، وبالنجاح الواثق. الحرب في لبنان انتهت. ولكن الحرب من اجل لبنان لم تنته بعد. في مرحلة الانبثاق المتجدد، على التربية والتعليم ان يعملا، منهجيات ومناهج، على تحييد الاخطار التي تهدد الآن الشباب، وأن يعملا على استئصالها حتى تحفظ الشخصية اللبنانية نقاءها فتبقى مؤهلة لحمل رسالة لبنان في الداخل وفي الخارج . فكما المرض ينتشر بالعدوى كذلك العافية تنتشر بالعدوى. والاعلام والجمعيات والنوادي والهيئات الثقافية والاجتماعية والروحية والاقتصادية والمبادرات الاخرى التي تغنى بها بلادنا هي أيضاً شريكة في هذه المسؤولية. اعملوا على توسيع القدرة على التفكير وعلى الاختيار، فالحروب بمآسيها وفوضاها تركت بصماتها على صفاء الرؤية والتمييز. اعملوا على تنمية روح التنافس ولا تشجعوا نزوة التسابق، لأن غرضنا جميعاً تحسين عمل الجميع وتوجيهه باتجاه صالح لبنان والانسان. اعملوا على تزويد طلابكم وقاصديكم بالقدرات التقنية الحديثة والخبرات العصرية الراقية الى جانب الثراء الخلقي والروحي. ذلك ان المشاركة في المعارف ترسخ تقليد المشاركة في تعمير لبنان والقيم. فمن قلب المرحلة الضاغطة علينا بثقلها ، وعلى عتبة انطلاقة مسيرة الإعمار أتوجه اليكم ، من هذا الصرح بالذات، مستذكراً اندفاعة يوم كنت طالباً إذ اعتبرت الجامعة مختصراً للوطن بديناميته وأحلامه. اعقدوا المؤتمرات، وافتحوا المختبرات، وأقيموا المعارض، وأحيوا المهرجانات، وأطلقوا الفنون، حتى نبني للسلام ثقافته . بالعمل نتقدم ومن عنده قدرة الاجتهاد والعطاء والإبداع فالوطن يناديه، والدولة لن تتأخر عن تسهيل الفرص أمام الجميع . هذه هي مسؤوليتها. إن الدولة منكبة في هذه المرحلة على متابعة نهجها في تدعيم ركائز الخلاص الوطني، وفي مقدمتها الاولويات الثلاث التالية: أولًا : تعزيز جمع الشمل من أجل لبنان لأن تثبيت السيادة، ومهمة المعالجة الاجتماعية والإعمارية هما أولاً مسؤولية اللبنانيين جميعاً. ثانيًا : الإنقاذ الاقتصادي . إن تفاقم الوضع الاقتصادي قد يجر الى إضعاف المناعة الداخلية وسط هذه المسيرة، ولبنان الذي نجح في رد أخطار الخارج ناجح في صد محاولات النيل منه من الداخل. ثالثًا : تحصين الخطى الثابتة في استكمال تحرير الاجزاء الغالية من الجنوب والبقاع الغربي التي لا تزال تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي باستعجال تطبيق القرار 425. أيها الاحباء، إن العمل المشترك بين أبناء المجتمع بكل قدراته ومواهبه وامكاناته هو السبيل الى الخروج من الأنقاض الى الحياة، من المآسي الى الازدهار. لم يعد امامكم فائض وقت للإنتظار، الوطن يحتاج الى طاقات الجميع، إنها معركة التأسيس. أخرجوا الى العصر، واطبعوا بصماتكم فيه، وارسموا حضور لبنان حضور البناء والابداع والسلام.
|